عاجلعاجل

وضع تعليمي نادر.. طلاب سامع يختبرون مع الشرعية والحوثيين ويحصلون على شهادات من الطرفين (تقرير خاص)

وضع تعليمي نادر.. طلاب سامع يختبرون مع الشرعية والحوثيين ويحصلون على شهادات من الطرفين (تقرير خاص)

تمرّ العملية التعليمية في مديرية سامع جنوبي تعز بوضع نادرٍ وعجيب، لا نظير له في بقية مديريات المحافظة واليمن، جراء توافق مشائخ ووجهاء المديرية، في الأشهر الأولى للحرب، على تحييد سامع والحفاظ عليها من التحوّل إلى ساحة مواجهة عسكرية، بين المقاومة الشعبية والجيش الوطني من جهة، وبين جماعة الحوثي الانقلابية التي قدمت من شمال اليمن في محاولة للسيطرة على المحافظة، من جهة أخرى.

ويتمثّل الواقع التعليمي المختلف والنادر في سامع، في أن مدارس المديرية تختبر مرتين، مرة مع وزارة التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها، ومرة أخرى مع سلطات جماعة الحوثي المدعومة من إيران، فيحصل طلاب المديرية في المرحلتين الأساسية والثانوية على نتيجتين من الطرفين، بما فيهم طلاب صفّي تاسع وثالث ثانوي، الذين يؤدون الاختبارات النهائية مع الجهتين، فيحصلون على مُعدّلين وشهادتين في ذات العام الدراسي.

 

اختبارات الثانوية

 

يوم الأحد الفائت 30 يونيو/ حزيران، انطلقت اختبارات شهادة الثانوية العامة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، وقالت وزارة التربية والتعليم في العاصمة المؤقتة عدن إن نحو 90 ألف طالب وطالبة (89,234) بدأوا الأحد خوض الاختبارات للعام 2023 - 2024، في القسمين العلمي والأدبي في 14 محافظة محررة، إضافة إلى السفارات في الخارج.

وعلى مستوى المديريات المحررة في محافظ تعز، أفاد الأستاذ محمود طاهر، مدير إدارة الاعلام التربوي بمكتب التربية بالمحافظة، أن إجمالي الطلاب المتقدمين لاختبارات الثانوية العامة هذا العام 25717 طالب وطالبة، بينهم 12901 بنين و 12816 بنات، وذلك في 154 مركز امتحاني في 18 مديرية.

وأضاف طاهر في حديثه لـ"المجهر"، أن هناك عدد من المديريات فيها خطوط تماس بين الشرعية ومليشيا الحوثي، أبرزها حيفان ومقبنة وصالة والصلو، وبعض مدارس هذه المديريات تختبر للشرعية، وبعضها تختبر مع الحوثيين، بحسب نطاق السيطرة، في إشارة إلى أن الوضع في مديرية سامع مختلف عن غيرها من المناطق.

 

امتحانات مع الطرفين

 

وفي مديرية سامع جنوبي تعز، يخوض الطلاب هذه الأيام اختبارات شهادة الثانوية العامة التابعة لوزارة التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها، مع أن هؤلاء الطلاب أنفسهم في ذات المديرية كانوا قد اختبروا في 27 أبريل - 18 مايو 2024 لنيل شهادة الثانوية العامة مع ما يُسمّى وزارة التربية والتعليم بصنعاء، في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دوليًا).

وبحسب مدير مكتب التربية في سامع التابع للشرعية، صادق احمد هائل، فإن "الاختبارات تجري في ثمانية مراكز اختبارية لطلاب الثانوية العامة، موزعة على مدارس بحسب الكثافة الطلابية، منها مركز يضم ثلاث مدارس ثانوية، ومركزين يضمان مدرستين، وبقية المراكز تضُم طلاب المدرسة". مضيفًا أن "عدد الطلاب الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الثانوية العامة لهذا العام 2023-2024م، بلغ (996) طالب وطالبة".

وقال صادق هائل في تصريح خاص لـ "المجهر" إن جميع مدارس المديرية تختبر حاليًا مع الشرعية، ما عدا المدارس القريبة من خط التماس، وهي "النجدة والقدس والإيمان فوفلة و7 يوليو بموقعة"، في حين بقية مدارس المديرية مع الشرعية وتخضع لنظام وزارة التربية والتعليم عدن".

 

شهادتا ثانوية

 

الطالب "إبراهيم عبدالرحمن قاسم إبراهيم"، أحد الطلبة المتفوقين في في مديرية سامع، تخرج السنة الماضية من ثالث ثانوي (2022 - 2023)، واختبر مع الطرفين، وحاز مع الشرعية على معدّل 97.13 %، فيما حصل مع الحوثيين على معدّل 94.25 %.

يقول إبراهيم القاسم لـ "المجهر": في العام الماضي كانت فترة اختباراتنا عصيبة جدا، حيت توافق امتحان صنعاء وعدن معًا، الأمر الذي سبب لنا نحن الطلاب ارتباكاً شديا، خصوصاً مع اختلاف جدولَي امتحاني الطرفين". 

وأضاف القاسم: كنا نختبر في اليوم الأول مادة القرآن الكريم مع حكومة عدن، واليوم الثاني مادة الكيمياء مع حكومة صنعاء، وهكذا بقية الأيام، يوم نختبر تبع عدن واليوم التالي تبع صنعاء.. وهذا الوضع مؤسف يحتاج من الجهات المسؤولة في المديرية أن تضع له حلًا مناسبا.

 

إرباك للطالب والمعلم

 

يعتقد الأستاذ عبدالوهاب محمد قائد، مُعلّم الكيمياء في مدرسة الفوز بعزلة بني احمد، أن سبب الوضع التعليمي المختل في سامع إلى "موقع المديرية بين طرفي النزاع" (الشرعية والحوثيين)، مضيفًا: "وهو نتيجة طبيعية لصراع الإدارات فكل مدير إدارة يريد المدارس تابعة لنظامه دون مراعاة لمصالح الطلاب وكل إدارة تنفذ رغبات الجهة التابعة لها ولديها من أوراق الضغط على الكادر التعليمي ما يكفي مستغلين الوضع المعيشي لابتزاز المعلم في الفتات الذي يسمونه راتب من العين (يقع فيها مركز التربية التابع للحكومة للشرعية) أو مسمى الحافز من الدمنة (مكان مكتب التربية التابع للحوثيين).. وكل ذلك ينعكس سلبا على الطلاب ومستوى تحصيلهم!!".

وبخصوص ما يُسمى بالحافز الذي بدأت جماعة الحوثي تقدّمه خلال العام الدراسي الفائت، يشير الأستاذ عبدالوهاب إلى أنه "صُرف مرتين فقط، أول العام لكي نبدأ معهم، وآخر العام يضغطوا به لكي نختم معهم".

ويواصل الأستاذ عبدالوهاب حديثه لـ"المجهر": "بحسب التقويم المدرسي للشرعية، حاليًا نختبر طلاب ثالث ثانوي والعطلة الصيفية لم تبدأ بعد، بينما قد بدأ العام الدراسي عند الحوثي واختلاف التقويم المدرسي يسبب إرباك شديد".

ويضيف: "هنا دراسة وهناك امتحان مع لجان رقابة على التنفيذ من الجهتين وتهديد ووعيد والعمل مستمر على مدار العام دون إجازة باستثناء شهر رمضان، ولا يمكن لجهة أن تتراجع قيد أنملة مراعية لمصلحة الطالب والمعلم ووضع المديرية!!".

 

منطقة محايدة

 

ويُفسّر أبناء سامع هذا الوضع التعليمي الذي تعيشه المديرية، بأنه نتاج لتوافق المشائخ ومختلف الأطراف على بقاء سامع مُحايدة وبعيدة عن الصراع الدائر في تعز واليمن بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين، منذ عقد من الزمن.

وفي تعليقه حول اختبار مدارس المديرية مع الحكومة الشرعية وكذلك مع المليشيا الحوثية، قال مدير التربية بسامع صادق هائل: إن "هذا بسبب ظرف المديرية، وهو واقع نتيجة توافق عليه وجهاء ومشائخ المديرية ومختلف أطرافها، بهدف إبقاء المديرية في وضع الحياد".

وأضاف: نحن في إدارة التربية والتعليم في سامع، وبسبب وضع المديرية والاتفاق الموقع لبقاء المديرية محايدة، تعبنا كثيرا عن بقية المديريات المجاورة لسامع"، ومع ذلك، وبجهود بذلت وبمساعدة مكتب التربية والتعليم بالمحافظة ممثلة بالأستاذ والمربي الفاضل الأستاذ عبدالواسع شداد، تمكنّا بالتدريج من ضم جميع مدارس مديرية سامع إلى مكتب التربية بالمحافظة، وبذلت جهود كبيرة في تحقيق هذا النجاح من قبل ممثلي الشرعية في سامع  وعلى هرم المحافظة، الذين كان لهم الدور الكبير في جعل مديرية سامع  من ضمن المديريات المحررة، ومن خلال ذلك استطعنا أن نرمم ثلاث مدارس في المديرية على نفقة المجلس المحلي، ووضعنا دراسة لعدة مشاريع  في الحقل التعليمي، وسنبدأ بتنفيذ الأشد ضررا قريبا إن شاء الله".

وبحسب مراقبين تربويين، فإن الوضع التعليمي الحاصل في مديرية سامع، ليس سليمًا، ومن غير المنطقي أن يحصل الطالب على شهادتين في ذات السنة.

وأضافوا لـ"المجهر" أن العملية التعليمية في سامع تأثرت بعملية الحياد التي توافق عليها الأهالي مبكّرًا، بهدف الحفاظ على المديرية بعيدا عن الاحتراب، فتعاملت مدارس المديرية مع الشرعية ومع الحوثيين في الوقت ذاته. لكن هؤلاء المراقبون أكدوا أن معظم المدارس في سامع ملتزمة بالخطة الدراسية لوزارة التربية والتعليم في عدن، وأن الاختبارات مع الحوثيين شكلية فقط، لظرف المديرية.

 

رفض الأنشطة الطائفية

 

يقول مصدر في مكتب التربية التابع للحوثيين بالمديرية (اشترط عدم الكشف عن اسمه حفاظًا على سلامته): معظمنا في مكتب التربية في المديرية، إن لم يكن جميعنا، وجدنا أنفسنا مجبرين على العمل مع سلطة الحوثي، رغم أننا ندرك خطورتها، لكننا في الوقت ذاته يُهمنا جدًا الحفاظ على مديريتنا وبقاءها بعيدة عن الصراع تنفيذا لما اتفق عليه الأهالي بداية الحرب، ودائما ما نرفض أي إجراء للحوثيين يضرّ المديرية.

ويضيف لـ"المجهر" : رغم كثافة التوجيهات التي تأتينا من جهة تربية الحوثيين في الحوبان بعمل أنشطة تدعمهم في العديد من المدارس، إلا أننا لا ننفذها، لأن معظم أبناء سامع لا يريدونها، ونؤكد للتربية في الحوبان أن هكذا أنشطة ستسبب إشكاليات وصدامات بيننا وبين الأهالي، بل وستخلق موجة غضب ضد الجماعة، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية، وبذلك تبقى المدارس بعيدة عن أي أنشطة تابعة للحوثيين، سوى مدرسة أو اثنتين فقط من المدارس الواقعة في أطراف المديرية بحدود مديرية خدير التي يسيطر عليها الحوثيون.

وتابع المصدر: الشيء المؤسف أن مرتباتنا تتعرّض للخصم، وأحيانا يتم تصفيرها، مع أن مسؤولي التربية بالمديرية التابعين للشرعية، يدركون أننا مجبرين ولسنا مع الحوثيين، وأننا نبذل أقصى جهودنا للحفاظ على المديرية ولا يمكن أن نقبل بأي عبث من الحوثيين بسامع، ولا من أي طرف آخر، وبالنسبة لي فإن أمن واستقرار سامع هو الأهم".

ورغم أن مدارس سامع، كغيرها من مدارس المديريات في مناطق السلطات الشرعية في تعز، تفتقر للكتاب المدرسي، جراء التقصير والإهمال من جانب الحكومة في طباعة المناهج، إلا أن معظم الوجاهات المجتمعية والأهالي يرفضون المناهج الحوثية، كما تحرص أغلبية المدارس على عدم التدريس منها إن وصلت إلى المدرسة، بصورة أو بأخرى، بحسب إفادة مصادر محلية وتربوية.

وأضافت المصادر لـ"المجهر" أن أغلبية أولياء الأمور والمعلمين في سامع يرفضون المناهج الحوثية بسبب ما لحق بها من تحريف، ويحرصون على اقتصار التدريس من مناهج الجمهورية اليمنية المعروفة منذ ما قبل الصراع الجاري، وذلك تنفيذًا لعملية الحياد التي توافق عليها أبناء المديرية.

 

آثار سلبية

 

يقول الطالب إبراهيم القاسم: "إن ما تمرّ به اليمن منذ حوالي عقد من ويلات الحرب، قسّم كل شيء فيها من عُملة وسياسة وقيادة، حتى التعليم لم يسلم منها".

ويرى القاسم أن "وضع الحياد الذي تعيشه سامع لها آثار سلبية على العملية التعليمية أكبر من المنافع، مشيرا إلى أن سامع هي المديرية الوحيدة تقريباً التي تعتمد امتحانات الثانوية للحكومة المعترف بها دوليا وما تسمى بـ حكومة صنعاء (حكومة الحوثيين غير المعترف بها)، في ذات الوقت، وذلك يعود إلى موقف المديرية المحايد".

ولفت إلى أن الكثيرين يجهلون أن هذا الوضع فيه خطورة على الطالب وعلى التعليم نفسه، حيث أن الطالب يبدأ بطرح خيارين أمامه، هل سأختبر لحكومة عدن أم صنعاء؟ وتحت كل هذه الضغوطات ينقاد الطالب للخيارين خارج عن إرادته، فيقلّ لديه الحماس والرغبة في التفوق".