عاجلعاجل

‏قراءات في الحملة الحوثية ضد موظفي المنظمات الدولية في اليمن

المستوى الأول:إدارة الصراع مع أمريكا عبر دبلوماسية الاختطاف.

 

* بناء على البيان الأمني المطول للجهاز الأمني الحوثي والاعترافات المتلفزة التي تبثها قتاة المسيرة اليوم، الغالبية العظمى من المختطفين هم موظفين سابقين أو حاليين في السفارة الأمريكية بصنعاء أو المعهد الديمقراطي الأمريكي أو الوكالة الأمريكية للتنمية في اليمن.

 

* يمكن ربط "دبلوماسية الاختطاف" الحوثية برغبتها في تصفية الحساب مع امريكا نتيجة قصفها لقواعدها العسكرية ردا على عملياتها العسكرية في البحر الاحمر.

تم تجميع موظفين عاديين (موارد بشرية، IT، حراسة ، إدارة مشاريع) واجبارهم على الاعتراف بالتخابر مع CIA والموساد.

 

* الإعداد المسرحي فاشل الى درجة ان احد المختطفين متقاعد من عشرين سنة، وشخص آخر استقال من عمله قبل 8 سنوات. أما تفاصيل التهم فهزلية مثل "ارسال صور القصف على صنعاء " أو "الاحتفاظ بكشف فيه اسماء وتلفونات موظفين حكوميين" أو "نقل شفرة البنك المركزي الى عدن "!!

 

* تدير الحوثية صراعها عبر العبث بحياة مواطنين يمنيين أبرياء وموظفين عاديين لا ذنب لهم الا العمل مع منظمات مصرحه لها رسميا بالعمل، ويستلم الحوثيين أنفسهم مساعدات منها لادارة العمليات الإنسانية والصحية والتعليمية في اليمن!

 

 

المستوى الثاني: إدارة الصراع مع المنظمات الدولية عبر دبلوماسية التهديد والإذلال

 

* الى جانب السفارة الامريكية والمنظمات الامريكية العاملة في اليمن، نشر الاعلام الأمني الحوثي صور شعارات المنظمات الأممية والدولية الأخرى باعتبارها أدوات تنفيذ العمل التجسسي بعد خروج السفارة الأمريكية من اليمن عام 2015!

 

* أدرج الحوثيون كبرى المنظمات الدولية في خانة الجواسيس (اليونيسيف، منظمة الصحة، مفوضية اللاجئين، الفاو، GIZ، البنك الدولي….)

هذه نقلة خطيرة في استراتيجية قديمة يمارسها الحوثيون ضد المنظمات هي استراتيجية التهديد والإذلال.

 

* الى جانب اتهامها بالتجسس، أدان البيان الأمني كل برامج المنظمات (التعليم، الصحة، الإصحاح البيئي، الزراعة، التوعية، التغذية). صرح البيان أن هذه البرامج كان هدفها نشر الأمراض وتدمير التعليم والزراعة وتدمير شبكة الصرف الصحي ونشر الرذيلة والتجسس على الحكومة والمجتمع.

 

* لا يهدف الحوثيون الى ايقاف هذه البرامج لأنها تدر عليهم ملايين الدولارات كمساعدات انسانية مستحقة لليمنيين المتضررين. لكنهم يريدون توجيهها لما يخدم أجندتهم الايديولوجية والعسكرية. والصراع محتدم بينهم وبين المنظمات منذ سنوات فيما يتعلق بالتحصين (اليونسيف ومنظمة الصحة) والمساعدات (منظمة الغذاء) و آلية المساعدات (اوتشا).. الخ.

 

 * ضمن سياسة التهديد والاذلال كانت الوزارات الحوثية تستلم المساعدات من المنظمات وتوعز لاجهزتها الامنية بعرقلة تنفيذها ومنع اقامة الفعاليات واعتقال موظفي المنظمات والمشاركين في الفعاليات وعرقلة اصدار التاشيرات للموظفين الدوليين.. وغيرها من التكتيكات التي نجحت الى حد ما في ترويض المنظمات، لكن ليس بالشكل المطلوب.

 

* تأتي حملة الاعتقالات بحق الموظفين الأميين كتطور خطر في استراتيجية قديمة. وان كانت الاعترافات الاولى المتلفزة كانت للموظفين اليمنيين العاملين في السفارة الامريكية والمنظمات الامريكية العاملة في اليمن، فان الاعترافات القادمة ستكون للموظفين الأمميين الذين تم خطفهم في اليومين الماضيين.

يدير الحوثي صراعاته الدولية بخطف اليمنيين الأبرياء وتعذيبهم وإعدامهم في غياب أي رد فعل دولي على ما يحدث.

 

*دبلوماسية الخطف تتضافر مع دبلوماسية التهديد والإذلال. وما بدأ مع السفارة الامريكية في اليمن امتد ليطال كل المنظمات الدولية.

لكن الأمر لن يقف هنا.

كتيبة الاسلحة الايديولوجية والأمنية والدعائية الحوثية تطمح لما هو أعمق.

 

 

المستوى الثالث: الخيانة تبدأ بدراسة اللغة الانجليزية!

 

* اظن الجميع لاحظ هناك مسارا موحدا في الاعترافات المنتزعة من الموظفين المخطوفين. يبدأ المسار بنفس النقطة ؛ دراسة اللغة الانجليزية! ثم يتم توجيه "الاعترافات" لتنتقل من تعلم اللغة الى العمالة!

كل الفيديوهات تعاملت مع نقطة تعلم المخطوفين للإنجليزية باعتبارها كشفا أمنيا على درجة عالية من الأهمية!!

 

* زعيم الحوثيين، عبدالملك الحوثي، كان قد هاجم معاهد تعليم اللغة الانجليزية ودراسة اللغة، واعتبرها أوكارا لتخريب الهوية الايمانية ونشر الرذيلة!

يتوافق هذا الخطاب مع خطاب حزب الله الذي كان يرى ان انتشار تعلم اللغة الانجليزية بين الشباب في جنوب لبنان مؤامرة لتدمير المقاومة!

 

* لا يكشف هذا الجانب مدى رجعية الحركة وأمية قياداتها وانعزالها عن العصر فقط. الاخطر أنه يكشف سياسة العزلة التي يريدون فرضها على اليمنيين.

 

* من خلال الرقابة على الانترنت والسيطرة على التعليم والاعلام والمساجد والفعاليات والاحتفالات التي لا تنتهي والمعسكرات الصيفية، والحرب المستمرة ضد أي شكل من اشكال الحداثة.. تسعى الحركة لعزل اليمنيين عن كل نوافذ المعرفة ورياح التغيير.

 

* ما يسعون لتحقيقه اليوم يمكن تشبيهه بايران مم ناحية، لكنه ايضا شبيه بجرائم الخمير الحمر في كمبوديا وعملية التجريف الواسع لكل اشكال الثقافة والحياة التي لا تتماشى مع ايديولوجيا الحركة.

 

واذا كانت الحركة تتعامل مع الغرب بدبلوماسية الاختطاف، ومع المنظمات بدبلوماسية التهديد والإذلال، فإنها تتعامل مع الحوثيين باستراتيجية التهديد والإنهاك…

 

 

المستوى الرابع: إدارة العلاقة مع اليمنيين عبر استراتيجية التهديد والإنهاك.

 

* القاعدة الذهبية للانظمة الفاشية هي: اخلق تهديدا وهميا، ثم قدم الحماية! وهذا ما يتقنه الحوثيون بدعم مباشر من الحرس الثوري وحزب الله.

 

* عندما اقتحموا صنعاء في 2014، كان التهديد هو الفوضى والقاعدة والدواعش! ثم تحول الى العدوان السعودي، ثم م أن توقف العدوان حتى خلقت الميليشيا تهديدا جديدا هو " تهديد القيم والأخلاق والهوية الايمانية"!

 

* سخر الناس داخل اليمن وخارجه من عبدالملك الحوثي وهو يقول في إحدى محاضراته أن انتشار لبس البنطلون مؤامرة أمريكية على اليمن! لكن الحوثيين لم يكونوا يمزحون؛ الدولة الطالبانية على الطريقة الحوثية وضعت أسسها وبانتظار التنفيذ.

في نفس الوقت هاجم زعيم الحوثيين معاهد تعليم اللغة الانجليزية واعتبرها مراكز لنشر الرذيلة! مرة أخرى لم يكونوا يمزحون، تعلم اللغة الانجليزية كان بداية طريق الجاسوسية كما سجلوا في الاعترافات القسرية لخلية "التجسس" المزعومة.

 

* كثفت الآلة الدعائية الحوثية في التحذير من "الحرب الناعمة" على اليمنيين المتمثلة في عمل النساء في المنظمات، وارتداء البالطوهات الملونة، المطالبة بالسلام وعودة دفع الرواتب!

لكن كانت الميليشيا بحاجة الى قصة اكثر عاطفية للترويج للتهديد الذي يواجهه اليمنيون ، فاختطفوا عشرة من موظفي السفارة الامريكية والمنظمات العاملة في اليمن عام 2021، واجبروا على تلفيق قصة المؤامرة الشاملة ضد التعليم والزراعة والصحة وكل شيء!

 

* "لو انتصرت الشرعية سيسيطر الدواعش وستغتصب النساء وسينتشر القتل!" هذه هي الدعاية العسكرية الامنية للحوثية المساندة لدعاية "تدمير الأخلاق، والحرب الناعمة". أخلق التهديد الوهمي، روجه ليل نهار، ثم قدم الحماية!

 

 * لكي لا يكشف الناس وهمية التهديد يدعمه الحوثيون باستراتيجية اخرى هي استراتيجية "الإنهاك"! 

احتفالات طائفية لا تنتهي، دورات ثقافية، دروس ايديولوجية عبر كل وسائل الاعلام، قوانين طائفية، محاكمات خلايا، اعدامات بالجملة، مسيرات من اجل كل شيء الا اليمن (فلسطين، ايران ، المقاومة ، الغدير، الحسين، زيد، الزهراء…). جبايات متجددة، حملات أمنية ، اعتقالات..انهاك دائم لكل مراكز ادراك المواطن.

 

* عبر التهديد والإنهاك يسعى الحوثيون لاحتواء الغضب، والتغطية على الفشل الكارثي لسلطتهم. لكن كل هذا قد يسقط أذا أهملوا عاملا مهما جدا هو المجتمع الدولي والخارج.

لا بد من استراتيجية للتعامل هذا التحدي.

قدمت أحداث غزة الفرصة الذهبية. ولولاها لما تجرؤوا على تقديم المسرحية الرديئة لخلية التجسس المزعومة.