عاجلعاجل

ما الذي تخفيه حسن نوايا الحوثيين المفاجئة تجاه تعز؟!

عادت مدينة تعز، عاصمة المحافظة التي تحمل ذات الاسم وتحتضن أكبر تكتل سكاني على مستوى اليمن، إلى واجهة الانشغال الوطني منذ نحو ثمانية أيام فقط، على إثر المبادرة الحوثية من جانب واحد لإعادة فتح الطريق الرئيس الذي يربط المدينة بضاحيتها الشرقية المعروفة باسم "الحوبان"، في تطور يشير إلى أن الحوثيين يفقدون لأول مرة الدعم المفتوح الذي قادهم من كهوف صعدة إلى مركز الدولة والسيطرة عليها.

 

تقدم الحوثيون خطوات باتجاه كسر حالة الجمود والتوتر، عبر الذهاب إلى فتح طريق رئيس ومهم في تعز، في حين تقدمت الحكومة خطوات أكثر دراماتيكية في الاتجاه المعاكس، لتجريد الحوثيين من المكاسب الثمينة التي حصلوا عليها بفعل الدعم الغربي والتواطؤ الإقليمي، وهدفها هو التضييق النقدي على الانقلابيين الحوثيين، عبر إبطال مفعول العملة القديمة من الريال اليمني التي باتت شبه مستقلة تقريبا ويتم تداولها في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، وإجبار البنوك على ممارسة نشاطها من العاصمة السياسية المؤقتة عدن، وكذلك شركات الهاتف النقال، وفرض السيطرة الحكومية التامة على مسار التحويلات المالية من وإلى اليمن.

 

وبسبب الإجراءات الحكومية بدأ الحوثيون يشعرون بأنهم مجبرون على إعادة النظر في سياسة الاستعلاء وعدم الالتزام تجاه الشريك الوطني الذي تمثله الحكومة الشرعية، لأنهم حصلوا على كل ما أرادوا الحصول عليه بفضل الغطاء الأمريكي الماكر والانصياع الإقليمي الممزوج بالانتهازية، في حين أن واشنطن تضغط اليوم لسحب المزايا الممنوحة للحوثيين في إطار خطوات بناء الثقة، والتي كانت قد أوصلتهم إلى مستوى غير متوقع من الاستقلالية والنفوذ والتأثير في البنية الجيوسياسية للمنطقة.

 

إعادة فتح طريق محوري يربط بين أجزاء مدينة تعز اكتسب أهمية استثنائية، لا لأنها محور الكون، ولكن لأن تعز واجهت بالفعل ما يشبه المؤامرة متعددة الأطراف، من قبل قوى دولية وإقليمية مؤثرة في الملف اليمني، وتعرضت لما يمكن وصفه بالعقاب الجماعي جراء الدور الذي أداه سكان هذه المحافظة ضمن موجة الربيع العربي، حيث بدت تعز الأكثر صلابة وحيوية في تأكيد العناد الثوري المطالب بالتغيير، لذلك تجشم أبناؤها عناء الحصار مشقات لا يمكن وصفها، وصمدوا وأفرغوا الحصار من أهميته الجيوسياسية.

 

لقد بقي حصار تعز مهملا بشكل متعمد من قبل الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة، رغم أن الحصار شكل البند الثالث في اتفاق ستوكهولم الموقّع بين الحكومة والمتمردين الحوثيين تحت الضغط الشديد من الجانب الأمريكي، وبقي الحصار على ما هو عليه رغم أنه كان جزءا أساسيا من خطوات بناء الثقة التي فرضتها تفاهمات هدنة الثاني من نيسان/ أبريل 2021 التي أنهت عمليا الحرب متعددة الأطراف في اليمن.

 

الحوثيون تهربوا من أي التزام يفضي إلى فك الحصار عن الطرق المؤدية إلى مدينة تعز وإعادة الانسيابية في الحركة بين أجزاء المدينة، رغم حصولهم على مكافآت مجزية تقاسموا بفضلها الصلاحيات السيادية مع الشرعية وعززوا خزينتهم بموارد مجزية جراء احتكار ميناء الحديدة، الخاضع لسيطرتهم، واستقبال الواردات الأساسية واستيفاء الرسوم الجمركية والضريبية عليها بمليارات الريالات.

 

حسن النوايا الحوثية التي بدأت بإطلاق سراح أكثر من مائة أسير من المقاتلين الحكوميين في الحدود الشمالية لليمن مع المملكة، وانتهت بمبادرة فتح الطرق خصوصا في تعز، لا تمثل صحوة ضمير ولا التزام من أي نوع تجاه الشعب اليمني، بقدر ما تمثل خطوة تكتيكية، ربما أنها تحقق حاجة مشتركة مع السعودية التي تمضي بإصرار شديد لتوقيع اتفاق خارطة الطريق، الذي يحللها من عبء الحرب، ويركز دورها في الجانب الدبلوماسي كوسيط بين الأطراف اليمنية.

 

ورغم أن التصعيد اللفظي من جانب قيادة الحوثيين تجاه المملكة قد لا يشير إلى وجود رابط بين المبادرات الحوثية والسعوديين، إلا أن الأمر في حقيقته يعزز من الاعتقاد بأن السعودية ليست في وارد إعادة ضبط علاقاتها مع الحوثيين على إيقاع عمليتي "عاصفة الحزم" و "إعادة الأمل"، اللتين أصبحتها من الماضي.

 

السعودية دولة كبيرة ولديها خبرة كبيرة في الشأن اليمني، ولديها كذلك خيارات ومسارات متعددة في التعاطي مع الأزمة اليمنية، فهي أبدت ما يكفي من الالتزام تجاه الحكومة الشرعية ودعمت إجراءاتها المالية الأخيرة المؤذية للحوثيين اتساقا وتكاملا مع الموقف الأمريكي، وفي الآن ذاته لها مصلحة في إبقاء الحوثيين ضمن دائرة التفاهم حول إنهاء الحرب والذي قد لا يتقيد كثيرا بالمرجعيات الحالية للحل، بل قد يجترح مرجعيات جديدة بأهداف عبثية شبيهة بتلك التي استحدثت بين الحكومة والانفصاليين.

 

وإن حدث ذلك فإنه سينتج قدرا كبيرا من التعقيدات التي ستجعل الأطراف اليمنية هي التي تتبرع بإيجاد الذرائع للوسيط السعودي المفترض لكي يتنصل من أي مسؤولية إزاء استمرار الصراع على الساحة اليمنية، مستغلا خفة وزن السلطة الشرعية وضعفها وفقدانها للإرادة والقرار، واندفاع الحوثيين المغرور نحو الوصول إلى أهدافهم النهائية السياسية والجيوسياسية، وإن بقي كل ذلك مرتبطا بشكل وثيق بتطورات العدوان الصهيوني على قطاع غزة واحتمالات أن تتسع دائرة الحرب بكل ما قد تفضي إليه من نتائج كارثية.

 

*نقلا عن عربي 21